محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

609

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وقوله لِلطَّائِفِينَ قالوا : يريد الغرباء الذين ينتابون البيت الحرام من غربة إلى النزاع إليه من الآفاق الطائفين حوله ، وَالْعاكِفِينَ يعني المقيمين . قال سعيد بن جبير : العاكفون هم أهل البلد . قال عطاء : هو الجالس في البيت بعد الطواف . وقال مجاهد وعكرمة : هم المجاورون ؛ وروى ابن جريج عن ابن عبّاس ، قال : هم المصلّون ؛ وقال عطاء : الطائفون الذين يأتونه من غربة ، والعاكفون سكّان مكّة ، والركّع السجود المصلّون . قال عطاء بن أبي رباح : إذا كان طائفا فهو من الطائفين ، وإذا كان جالسا فهو من العاكفين ، وإذا كان مصلّيا فهو من الركّع السجود . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 126 ] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 126 ) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً يعني مكّة ذا أمن يأمن فيه أهله من الجبابرة ؛ فلا يتخطّف الناس منه ولا يجلون عنه كما اجلي الناس عن بيت المقدّس . قال ابن عبّاس : آمنا أي حراما محرّما لا يصاد طيره ، ولا يقطع شجره ، ولا يعضد عضاهه ، ولا تختلى خلاه ، ولا يقتل وحشة ، ولا يدخلها أحد إلّا بإحرام ولا يحلّ لأحد من الخلق إلّا الساعة التي حلّت للنبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - قاله في رواية عطاء . قال المفضّل : آمنا من أن يغزى وينهب ؛ والتقدير : اجعل هذا البلد بلدا آمنا ، وارزق أهله أي ساكنيه من الثمرات ، أي ليجتمع لهم الأمن والخصب فيكونوا في رغد من العيش . قال ابن عبّاس : اجعله يجبى إليه الثمرات . ثمّ قال : مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ ( 245 ب ) بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . قال الأخفش : وهذا إبدال البعض من الكلّ كما تقول : رأيت زيدا رأسه ، وكأنّه سأله أن يجعله بلدا آمنا ، وأن يرزق المؤمنين فيه من الثمرات دون الكافرين . قال اللّه تعالى : وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا أي لا أحرم الكافر رزقه ، بل أرزقه رزقا قليلا ؛ فيكون قليلا صفة للمصدر ، أو معناه فأرزقه زمانا قليلا ، كقوله : عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ . قال ابن عبّاس : كانت دعوة إبراهيم يومئذ وأهلها مؤمنون ؛ فما زالوا على الإيمان